رفيق العجم

487

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

لفظ الشارع ، بل أقوى ؛ لأن عموم اللفظ معرّض للتخصيص ، والعلّة إذا كانت عبارة عن مناط كانت جامعة لجميع أوصافها وقيودها فلم يتطرّق إليها تخصيص ؛ إذ يكون تخصيصها نقضا لعمومها . وهذا واضح ، وإنما الشأن في بيان أن إثبات العلّة وإجراءها في الفروع هو يستند إلى التوقيف ، فلا قياس إلا وهو توقيف ، فنقول - وباللّه التوفيق - : نحن لا نلحق المسكوت عنه بالمنطوق به إلا بالتوقيف ، ولا نثبت الحكم فيما سكت عنه الشارع كما لا نثبت الاسم في اللغة فيما سكت عنه الواضع ، ولكن إذا عرفنا من الواضع أن تصريف مصدر الفعل : فعل يفعل فعلا ، فهو فاعل ، وذاك مفعول ، والأمر افعل ، والنهي لا تفعل ، وقال : " حكمي في المصدر الواحد حكمي في المصادر كلها " ، فإذا قلنا في مصدر المنع : " منع يمنع منعا ، فهو مانع ، وذاك ممنوع ، والأمر امنع ، والنهي لا تمنع " ، وكنا لا نسمع منه تصريف المنع ، ولكنّا سمعناه أنه قال : " حكمي في المصدر الواحد حكمي في المصادر كلها إلا ما نصصت فيه على الاستثناء " فليت شعري يكون هذا تصريفا بالتوقيف من واضع اللغة أو بالرأي والقياس من عند أنفسنا ؟ فلا يشكّ العاقل أنه توقيف محض . فكذلك إذا حكم الشارع بأحكام متفرّقة في آحاد معيّنة ، ثم قال : " حكمي في الواحد حكمي في الجماعة " ( العجلوني ، كشف الخفاء 1 / 436 ) ، ثم قال للأعرابي - الذي قال : هلكت وأهلكت ؛ واقعة أهلي في نهار رمضان - : " أعتق رقبة " ( صحيح البخاري ، 3 / 32 و 7 / 66 ) ، فجاءنا أعرابي آخر في ذلك اليوم فأوجبنا عليه الإعتاق : كان هذا حكما بعموم قوله : " حكمي في الواحد حكمي في الجماعة " ، لا يفارق الأعرابي الثاني الأعرابي الأول إلا في أن حكم الأول فهمناه بلفظة واحدة وهو قوله : ( أعتق ) ، وحكم الثاني عرفناه بمجموع لفظين : أحدهما : قوله للأعرابي : ( أعتق ) ، والثاني : قوله : " حكمي في الواحد حكمي في الجماعة " ، فإذا عرفت هذا فلو كان الأعرابي الأول جاء في اليوم الأول من رمضان ، وجاء آخر في اليوم العاشر مثلا ، أوجبنا الكفارة عليه ؛ لأن الأيام - أيضا - فيها واحد وجماعة ، فنفهم أن حكمه في الواحد حكمه في الجماعة ، ويكون مستندنا هذا . ( أس ، 43 ، 9 ) - أما حدّه ( القياس ) ، فقد اختلفت فيه الصيغ والعبارات . ولسنا للتطويل في هذا الكتاب ، فيما لا يتعلّق به كبير فائدة . والعبارة المعرّفة للمقصد المطلوب ، أن يقال : " القياس : عبارة عن إثبات حكم الأصل في الفرع ، لاشتراكهما في علّة الحكم . فهذا القدر كاف في البيان . وإن أردت عبارة محترزة عن الاعتراضات - التي تهدف الحدود لأمثالها في عبارة المتكلّمين وأرباب الصناعات في الحدود - قلت : هو : حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه ، بالاشتراك في صفة